يرى إبراهيم عز الدين، المهندس المعماري والباحث في شؤون العمران، أن سياسات التنمية العمرانية في مصر اتجهت منذ انتفاضة 2011 بدرجة كبيرة نحو تحقيق مزيد من الأرباح، ورفع أسعار العقارات، وتنفيذ المشروعات العملاقة، وتعزيز السيطرة الأمنية، بدلًا من التركيز على توفير السكن الملائم وتنظيم المجال العمراني بما يخدم احتياجات المواطنين.


ونشر معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط تحليل عز الدين الذي تناول فيه التحولات التي طرأت على سياسات العمران المصرية منذ انتفاضة 2011، وكيف ارتبطت التنمية العقارية بمنطق الربح والسيطرة السياسية والأمنية.


في عام 2025، بث صندوق التنمية الحضرية الحكومي إعلانًا تلفزيونيًا للترويج لمشروعاته العقارية الجديدة. عرض الإعلان بطلًا يواجه مشكلات الحياة اليومية، من غياب أماكن انتظار السيارات وتدخل الجيران في شؤونه إلى الضوضاء الليلية والسرقات. وتتزايد معاناته تدريجيًا إلى أن يظهر أمامه مجمع سكني متكامل يوفر الأمن والخدمات والخصوصية، تحت شعار: «صندوق التنمية الحضرية.. أكبر مطور عقاري في محافظات مصر».


أنشأت الحكومة الصندوق عام 2021 ليحل محل صندوق تطوير المناطق العشوائية، الذي ظهر عقب كارثة الدويقة في سبتمبر 2008، عندما دمر انهيار صخري من هضبة القاهرة أكثر من 166 منزلًا وأودى بحياة 119 شخصًا. وكان الصندوق القديم يؤدي دورًا اجتماعيًا يتمثل في تحديد المناطق غير الآمنة وتطويرها وتوفير البنية التحتية الأساسية لها.


وبعد 18 عامًا، تحولت الجهة التي كان يفترض أن تحمي سكان المناطق المعرضة للخطر إلى مطور عقاري يسوق المجمعات السكنية المغلقة باعتبارها ملاذًا من فوضى المدن المصرية.


ويعكس هذا التحول مسار سياسات العمران في مصر عقب انتفاضة 2011، وصعود رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي إلى صدارة المشهد بعد عامين، ثم تولي مصطفى مدبولي منصب وزير الإسكان والمرافق، قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء. وخلال هذه المرحلة، تبنت الدولة نموذجًا عمرانيًا يرتكز بصورة أساسية على تحقيق الأرباح وتعزيز السيطرة الأمنية.


التنمية العمرانية بين الربح والسيطرة الأمنية

 


أصبح التطوير العمراني وسيلة لإعادة توزيع الثروة وحماية أصحاب النفوذ، بدلًا من استخدامه لتنظيم المجال الحضري وتوفير السكن الملائم. وأسهم هذا المسار في تدهور المدن المصرية، واتساع الفصل بين الطبقات الاجتماعية، وتشوه سوق الإسكان.


وتضم مصر ملايين الوحدات السكنية الخالية، بينما يعجز معظم المصريين عن تحمل تكلفة السكن الملائم مع انفصال أسعار العقارات عن مستويات الدخل. وفي الوقت نفسه، استوعبت المدن الجديدة استثمارات عامة ضخمة على مدار سنوات، لكنها لا تستضيف سوى نحو 1.7% من السكان.


وتخدم سياسات التنمية العمرانية الحالية عدة أهداف. فمن ناحية، يوفر التوسع العمراني وإنشاء المدن الجديدة والأحياء السكنية المغلقة في الصحراء، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، وسيلة لتعزيز الأمن والسيطرة السياسية، خصوصًا بعد الدور المحوري الذي أدته الميادين العامة في دفع انتفاضة 2011.


ومن ناحية أخرى، يوفر قطاع الإنشاءات نموذجًا اقتصاديًا مناسبًا لنظام يسعى إلى تحقيق نتائج سريعة. ويوفر القطاع فرص عمل بتكلفة منخفضة نسبيًا، إذ استحوذ على نحو 13.4% من إجمالي قوة العمل في مصر خلال 2024. كما يرتبط القطاع بعدد من الصناعات الكبرى، ويسهم مع الأنشطة العقارية بنحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي.


كما تتيح مشروعات البناء إظهار إنجازات ملموسة يمكن افتتاحها أمام الكاميرات، على عكس الاستثمار في رأس المال البشري الذي قد يحتاج إلى سنوات حتى تظهر ثماره. وفي الوقت نفسه، تنشئ المشروعات العقارية الكبرى شبكة واسعة من العقود والأراضي وحقوق الانتفاع التي يمكن توزيعها بين الجهات الحكومية والعسكرية وشركات المقاولات ذات الصلات القوية، ما يحول التنمية العمرانية إلى وسيلة لإعادة توزيع الثروة وضمان الولاء السياسي.


وتبرز العاصمة الإدارية الجديدة بوصفها أبرز مشروعات الدولة وأوضح تجسيد لسياساتها العمرانية. وتمتد المدينة على مساحة تقارب 700 كيلومتر مربع، وتمتلكها شركة تستحوذ القوات المسلحة المصرية على الحصة الأكبر فيها. ويتوقع أن تصل التكلفة الإجمالية لإنشاء المدينة، الواقعة على بعد 60 كيلومترًا شرق القاهرة، إلى نحو 60 مليار دولار.


ولا تقتصر وظيفة العاصمة الجديدة على كونها مركزًا إداريًا، إذ تشكل أيضًا أكبر مشروع استثماري عقاري في البلاد وحصنًا سياسيًا.


وفكرة إنشاء عاصمة جديدة لتجميع مؤسسات الحكومة سبقت انتفاضة 2011، لكنها عادت إلى الواجهة بعد عام 2014. وبدأت الوزارات الانتقال إلى العاصمة الجديدة عام 2023، تاركة مبانيها التاريخية في القاهرة لبيعها أو إعادة توظيفها استثماريًا.


وحرصت السلطات المصرية على إضافة عناصر استعراضية إلى العاصمة الجديدة، إذ تضم أطول برج في أفريقيا، وثريا توصف بأنها الأكبر في العالم، وحديقة خضراء مخططًا لأن تفوق مساحتها عدة مرات مساحة سنترال بارك في نيويورك، فضلًا عن دار أوبرا توصف بأنها الأكبر في الشرق الأوسط، إلى جانب مشروعات ضخمة أخرى.


ولا تخدم هذه المنشآت الفاخرة أكثر من 30 ألف شخص، وهو ما يعكس فلسفة تطوير المدينة باعتبارها مشروعًا يستهدف تحقيق الأرباح. وتباع الوحدات السكنية بأسعار تفوق قدرة الغالبية الساحقة من المصريين، ما يحول العاصمة الجديدة إلى ملاذ للأثرياء وكبار المسؤولين، ويتيح لهم الابتعاد عن «القاهرة القديمة» المكتظة بالسكان والمتراكمة مشكلاتها.


ويعمل الموظفون الحكوميون الأقل رتبة في العاصمة الجديدة، لكنهم لا يسكنون فيها، إذ أنشأت الحكومة وحدات سكنية لهم في مدينة بدر القريبة، مع إتاحة شرائها عبر أنظمة تقسيط ميسرة.


وعلى المستوى السياسي، لم يعد الهدف الأمني للعاصمة الجديدة مجرد تكهنات. ففي يوليو 2026، وخلال افتتاح مركز قيادة الدولة الاستراتيجي المعروف باسم «الأوكتاجون»، الذي يضم وزارة الدفاع وتبلغ مساحته سبعة أضعاف مساحة مبنى وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون»، قال السيسي إن الدولة اضطرت إلى الخروج من العاصمة لمنع تكرار حصار مقار الحكومة، كما حدث خلال انتفاضة 2011 وبعدها.


الحكومة كمستثمر عقاري ونزع ملكية السكان

 


ولا يمكن فصل خطط الانتقال إلى الصحراء عن المشروع القومي للطرق، الذي يشمل إنشاء آلاف الكيلومترات من الطرق والكباري. وتعمل هذه الطرق بمثابة شرايين للنموذج العمراني الجديد، إذ تربط المدن المغلقة بالمراكز القائمة وترفع القيمة الاستثمارية للأراضي المحيطة بها.


وربط الباحثون هذا التوسع بموجة من نزع ملكية الأراضي، وارتفاع تكاليف النقل، وزيادة حوادث المرور.


وبالتوازي مع إنشاء عاصمة يصعب على المحتجين الوصول إليها، أعادت الحكومة تشكيل المجال العام للحد من فرص التجمع الجماهيري. وشهد ميدان التحرير، أحد أبرز رموز الثورة، تعزيزًا للوجود الأمني، كما أعيد تصميمه بإقامة مسلة وتماثيل لأبي الهول برؤوس الكباش في وسطه، وسط مساحات خضراء، بما يصعّب تجمع أعداد كبيرة من الأشخاص في الميدان.


كما أعادت السلطات تشكيل ميادين عامة أخرى، بينها ميدان رابعة العدوية في القاهرة وميدان الشون في المحلة الكبرى، حيث شُيدت كباري تعبر الميادين مباشرة، ما يسهل السيطرة عليها ويحد من إمكانية استخدامها للتجمعات العامة.


ومنذ تحرير الاقتصاد المصري في سبعينيات القرن الماضي، اتجه المصريون إلى شراء العقارات وسيلةً لحماية مدخراتهم. وعززت هذا التوجهات حدة انخفاض قيمة الجنيه المصري خلال العقد الماضي، إلى جانب محدودية خيارات الاستثمار واتساع فجوة الثروة، إذ يسيطر نحو عُشر سكان مصر على ثلثي ثروة البلاد.


وتحولت الدولة من تنظيم السوق إلى أن تصبح أكبر لاعب فيه، عبر بيع الوحدات السكنية للمواطنين باعتبارها أصولًا استثمارية. وينعكس هذا التحول في النمو المالي لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التي تشكل الذراع الحكومية الرئيسية للتنمية والاستثمار العمراني.


وارتفعت إيرادات الهيئة من نحو 18 مليار جنيه خلال السنة المالية 2014-2015 إلى نحو 245 مليار جنيه في موازنة 2026-2027، بما يعادل قرابة 5 مليارات دولار.


ولا تحقق الدولة أرباحًا من بيع الوحدات السكنية فحسب، وإنما تستفيد أيضًا من احتكار المورد الأساسي الذي تقوم عليه تلك الوحدات، وهو الأراضي. وباعتبار هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة واحدة من أكبر الجهات المالكة للأراضي الصحراوية في مصر، رفعت الهيئة باستمرار أسعار الأراضي التي تطرحها في السوق، لتصبح أراضي الدولة أحد المحركات الرئيسية لارتفاع أسعار العقارات.


ويشتري المطورون الأراضي بأسعار مرتفعة، ثم ينقلون التكلفة الإضافية إلى المشترين، بينما ترتفع قيمة العقارات القائمة بالتوازي مع ارتفاع أسعار الأراضي.


وفي المقابل، ظل الإنفاق الاجتماعي غير كافٍ مقارنة بحجم الاحتياجات. فمنذ عام 2014، أتاحت الدولة نحو مليون وحدة إسكان اجتماعي، وأطلقت مبادرات تمويل عقاري مدعومة للأسر منخفضة ومتوسطة الدخل، مع أسعار فائدة تبدأ من 3%.


لكن هذه الإجراءات لا تكفي لمواكبة الزيادة في أعداد الأسر المحتاجة أو الارتفاعات المتواصلة في أسعار الأراضي وتكاليف البناء. كما تظل تكلفة وحدات الإسكان الاجتماعي بعيدة عن قدرة كثير من أصحاب الدخول المنخفضة.


الإخلاء القسري ونزع الملكية وتغيير التركيبة الاجتماعية

 


وتصطدم خطط الحكومة في كثير من الأحيان بالمجتمعات التي تقيم بالفعل على الأراضي المستهدفة بالتطوير، ما يجعل السكان من أبرز ضحايا هذه العملية.


واعتمدت الحكومة نهجين، وأحيانًا جمعتهما معًا: الإخلاء القسري المباشر، واستخدام الأدوات القانونية لنزع الملكية بدعوى «المصلحة العامة».


وفي النهج الأول، يجري تنفيذ الإخلاء القسري تحت شعار «التنمية». وينطبق ذلك على سكان جزيرة الوراق منذ عام 2017، إذ يتعرضون لضغوط وحصار بهدف دفعهم إلى الرحيل وإفساح المجال أمام مشروع عقاري فاخر.


أما النهج الثاني، فيقوم على تخصيص الأراضي للاستخدام العام، ثم استخدام القوة والتهديدات لفرض القرار. وواجه سكان قريتي الخرافين والمقاطعة في شمال سيناء هذا المسار، بعدما منحتهم السلطات 24 ساعة فقط لإخلاء منازلهم.


ولم تكن هذه الواقعة معزولة؛ إذ شهدت الفترة بين يناير 2021 وديسمبر 2025 نحو 525 حالة نزع ملكية باسم المصلحة العامة، طالت أكثر من 136 ألف أسرة، أي نحو 546 ألف شخص، فضلًا عن 110,537 وحدة سكنية.


وإلى جانب هذين النهجين، ظهر مسار ثالث أكثر سلاسة يتمثل في خلق ظروف سوقية تدفع السكان إلى الرحيل. ففي عام 2025، أقرت الدولة تشريعات تمهد لإنهاء نظام «الإيجار القديم»، وتفتح الباب أمام زيادات كبيرة في إيجارات هذه الوحدات، ما يضع ملايين المستأجرين أمام خطر الإخلاء من مساكن عاشوا فيها لعقود.


وبرر السيسي التوجه نحو تحرير العلاقة بين الملاك والمستأجرين، قائلًا إن القيود المفروضة على الإيجارات تشكل «عقبة حقيقية» أمام الاستفادة من مليوني وحدة تبلغ قيمتها تريليون جنيه مصري.


وفي حين تستخدم سياسات نزع الملكية أحيانًا لإنشاء الكباري والطرق والبنية التحتية، يعاد توظيف الأراضي المنزوعة ملكيتها في حالات أخرى لصالح مشروعات استثمارية ضخمة تستهدف الشرائح الأعلى دخلًا.


وظهر ذلك في منطقة رأس الحكمة على ساحل البحر المتوسط، حيث نزعت ملكية أراضٍ مأهولة، ثم أعيد بيعها لتحقيق أرباح ضخمة بعد إبعاد السكان والمالكين الأصليين أو الضغط عليهم لقبول تعويضات محدودة.


من مساحة للعيش إلى أداة لإعادة توزيع الثروة والسلطة

 


خرج المصريون إلى الشوارع عام 2011 مطالبين بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية. وبعد 15 عامًا، تبنت البلاد سياسات عمرانية أنتجت ظروفًا تتناقض مع مطالب الثورة.


وتحولت المدينة من مساحة للعيش إلى أداة لإعادة توزيع السكان والثروة والسلطة، بما يعكس تغيرات أعمق في العلاقة بين الدولة والمجتمع. وبينما تقدم السلطات هذه السياسات باعتبارها طريقًا إلى «التنمية» والتحديث، تكشف نتائجها عن اتساع الفجوات الاجتماعية، وتحول التنمية العمرانية إلى آلية لإدارة المجتمع بدلًا من تحسين ظروف المعيشة.


ومن ثم، يتطلب فهم التحولات التي شهدتها التنمية العمرانية في مصر بعد انتفاضة 2011 النظر إليها باعتبارها جزءًا من مشروع أوسع يعاد من خلاله تشكيل المجال العام والاقتصاد الحضري لخدمة منطق السيطرة وتحقيق الأرباح.


ولا يخلو النقاش العام في مصر من مقترحات وأفكار تسعى إلى عكس هذا المسار. ويمكن للحكومة تطبيق سياسة صارمة للضريبة العقارية تستهدف إعادة توظيف الأصول العقارية الخالية، وطرح إجراءات توازن بين الإيجارات بدلًا من تركها بالكامل لقوى العرض والطلب.


كما ينبغي للسياسات العامة توجيه دعم أكبر إلى الإسكان الاجتماعي بما يضمن توافق أسعار الوحدات مع دخول الفئات المستهدفة. وبالتوازي، يتعين على الحكومة وقف انتهاك القانون الدولي عبر استخدام الإخلاء القسري لتسريع مشروعات التنمية.


وقد تبدو هذه الحلول معقدة بسبب التأثيرات المتراكمة لسياسات الحكومة خلال العقد الماضي، لكنها ليست مستحيلة، شريطة توافر الإرادة السياسية لتقديم مصالح المواطنين على السعي وراء الأرباح أو تشديد السيطرة الأمنية.

 

https://timep.org/2026/09/24/how-urban-development-became-a-tool-for-control-and-profit-in-egypt/